الشيخ محمد رشيد رضا
434
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيها ولا إخلاص ، وبخسرانهم في الدنيا بعد الفضيحة ، وفي الآخرة يوم الجزاء . وفي هاتين الآيتين من خبر الغيب ما هو صريح ، وفي « عسى » هنا يصح قول المفسرين ان الرجاء من اللّه تعالى للتحقيق ، وقد صدق اللّه وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فخذل اللّه الكافرين ، وفضح المنافقين ، وظهر تأويل الآيتين وما في معناهما وفقا لقوله ( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * وفي القرآن كثير من اخبار الغيب التي يعبر عنها أهل الكتاب بالنبوات ، وهي الأصل عندهم في صدق الأنبياء ، وهم مع ذلك يكابرون في نبوة خاتم النبيين ، ويمارون في [ نبواته ] الظاهرة الصريحة الثابتة بالسند والدليل على تصديقهم ( بنبوات ) رمزية تختلف فيها وجوه التأويل ، يرونا السهى فنريهم القمر ، بل نريهم ما هو أضوأ من الشمس واظهر ، ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ) * * * ( 57 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 58 ) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 59 ) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ هذه الآيات من تتمة السياق السابق ، فلما كان من يتولى الكافرين من دون المؤمنين يعد منهم ، كان أولئك الذين يسارعون فيهم من مرضى القلوب مرتدين بتوليهم إياهم ، فان أخفوا ذلك فاظهارهم للايمان نفاق . ولما بين اللّه حالهم ، أراد ان يبين حقيقة يدعمها بخبر من الغيب يظهره الزمن المستقبل ، وهي ان المنافقين ومرضى القلوب لا غناء فيهم ، ولا يعتد بهم في نصر الدين وإقامة الحق ، وانما يقيم اللّه